أحمد بن حجر الهيتمي المكي
12
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
مقاساته في الطلب وخروجه إلى مكة : كان ابن حجر رحمه اللّه يتردد على مكة المكرمة ، وقد جاور بها في بعض السنين . وأول زيارة سنة ( 934 ه ) مع شيخه البكري . ثم مرة ثانية سنة ( 938 ه ) . ثم في سنة ( 940 ه ) قرر الرحلة إلى مكة والإقامة بها ، وكان سبب خروجه من مصر ما حصل من سرقة بعض كتبه من قبل بعض الحسّاد ، وهو كتابه « بشرى الكريم » الذي شرح به العباب شرحا عظيما ، ولم يزل متأثرا بذلك الحادث ، حتى إنه كان كثير الدعاء بالعفو عن ذلك الفاعل ، ويقول : سامحه اللّه وعفا عنه . وقال ذاكرا مجاهداته والشدائد التي عاناها : ( قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة اللّه وتوفيقه ، بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة ، دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه ، فانتظرناه إلى أن ابهارّ الليل ، ثم جيء به ، فإذا هو يابس كما هو نيء ، فلم أستطع منه لقمة . وقاسيت أيضا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشد من ذلك الجوع ، إلى أن رأيت شيخنا ابن أبي الحمائل قائما بين يدي سيدي أحمد البدوي ، فجيء باثنين كانا أكثر إيذاء لي ، فضربهما بين يديه فمزقا كل ممزق ) « 1 » . كل هذه الأسباب كانت حاملة له على مغادرة مصر والإقامة بمكة ، فسكنها لمدة ( 34 ) سنة ، حتى توفي بها ، وكان منزله بالحريرة قريبا من سوق الليل ، كما كانت له خلوة برباط الأشرف قايتباي بقرب المسجد الحرام .
--> ( 1 ) مقدمة « الفتاوى الفقهية » ( 1 / 5 ) .